يزيد بن محمد الأزدي

567

تاريخ الموصل

ببغداد شهور سنة سبع كلها - فيما قيل « 1 » - وفيها خطب الحسن بن عمر بن الخطاب

--> ( 1 ) في هذه السنة حاصر طاهر وهرثمة وزهير بن المسيب الأمين محمدا ببغداد ، فنزل زهير بن المسيب الضبي برقة كلواذى ، ونصب المجانيق والعرادات ، وحفر الخنادق وكان يخرج في الأيام عند انشغال الجند بحرب طاهر فيرمى بالعرادات ويعشر أموال التجار ، فشكا الناس منه إلى طاهر ، فنزل هرثمة نهربين وعمل عليه خندقا وسورا ، ونزل عبيد الله بن الوضاح بالشماسية ونزل طاهر البستان الذي بباب الأنبار فلما نزله شق ذلك على الأمين وتفرق ما كان بيده من الأموال فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة ، وضرب آنية الذهب والفضة ليفرقها في أصحابه ، وأمر بإحراق الحربية فرميت بالنفط والنيران وقتل بها خلق كثير ، واستأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم فولاه الأسواق وشاطئ دجلة وما اتصل به ، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من الدروب وأمده بالأموال والرجال ، فكثر الخراب ببغداد والهدم ، فدرست المنازل ووكل الأمين عليا أفراهمرد بقصر صالح وقصر سليمان بن المنصور إلى دجلة فألح في إحراق الدور والدروب والرمي بالمجانيق ، وفعل طاهر مثل ذلك ، فأرسل إلى أهل الأرباض من طريق الأنبار وباب الكوفة وما يليها فكلما أجابه أهل ناحية خندق عليهم ومن أبى إجابته قاتله وأحرق منزله ، ووحشت بغداد وخربت ، فقال حسين الخليع : أتسرع الرحلة إغذاذا * عن جانبي بغداذ أماذا أما ترى الفتنة قد ألّفت * إلى أولى الفتنة شذاذا وانتقضت بغداذ عمرانها * عن رأى لا ذاك ولا هذا هدما وحرقا قد أباد أهلها * عقوبة لاذت بمن لاذا ما أحسن الحالات إن لم تعد * بغداذ في القلة بغداذا وسمى طاهر الأرباض التي خالفها أهلها ومدينة المنصور وأسواق الكرخ والخلد : دار النكث وقبض ضياع من لم يخرج إليه من بني هاشم والقواد وغيرهم وأخذ أموالهم ، فذلوا وانكسروا وذل الأجناد وضعفوا عن القتال إلا باعة الطريق والعراة وأهل السجون والأوباش والطرارين وأهل السوق ؛ فكانوا ينهبون أموال الناس . وكان طاهر لا يفتر في قتالهم فاستأمن إليه على أفراهمرد الموكل بقصر صالح فأمنه وسير إليه جندا كثيفا فسلم إليه ما كان بيده من تلك الناحية في جمادى الآخرة ، واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب شرطة الأمين ، وكان مجدا في نصرة الأمين فلما استأمن هذان إلى طاهر أشفى الأمين على الهلاك وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطريق والأجناد فاقتتلوا داخل قصر صالح قتالا عظيما ، قتل فيه من أصحاب طاهر جماعة كثيرة ومن قواده جماعة ، ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشد على طاهر منها ، ثم إن طاهرا كاتب القواد الهاشميين وغيرهم بعد أن أخذ ضياعهم ، ودعاهم إلى الأمان والبيعة للمأمون ، فأجابه جماعة منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة وإخوته وولد الحسن بن قجطبة ، ويحيى بن علي بن ماهان ومحمد بن أبي العباس الطائي وكاتبه غيرهم وصارت قلوبهم معه ، وأقبل الأمين بعد وقعة قصر صالح على الأكل والشرب ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش ، فكان من معهما من الغوغاء والفساق يسلبون من قدروا عليه وكان منهم ما لم يبلغنا ، مثله فلما طال ذلك بالناس خرج عن بغداد من كانت به قوة ، وكان أحدهم إذا خرج أمن على ماله ونفسه وكان مثلهم كما قال الله : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ . وخرج عنها قوم بعلة الحج في ذلك يقول شاعرهم : أظهروا الحج وما ينوونه * بل من الهرش يريدون الهرب كم أناس أصبحوا في غبطة * وكل الهرش عليهم بالعطب